علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )
85
الصداقة والصديق
عبق العنبر « 1 » ، وتوصف « 2 » فأرى لوصفك ما لا يراه أحد من البشر لأحد من البشر ، وربما حلمت بك في الرؤيا ، فيكون في ذلك قوتي طول يومي ، ومن كان هذا نعته من أجلك ، فكيف ينمّق بالقلم شوقه إليك ، وكيف يذكر ما يختصه لك ، وكيف يجهز ما يشتمل عليه من خالصته « 3 » ومحبته إليك قد يقصر اللفظ للطف المعنى ، كما يطول المعنى لقصر اللفظ ، والإخاء إذا قدم استحصدت مرائره « 4 » ، واستوسقت « 5 » سرائره ، وعند ذلك يكون الوصف باللسان تكلّفا ، والتكلّف للوصف تأفّفا ، وقد حضر لعبدك ولدي ختان أنت أولى الناس فيه بالقيام والقعود ، بين الناي « 6 » والعود ، فإن رأيت أن تبدر إلى ذلك غداة غد ، مكافحا للشمس عند الطلوع ، غير عائج إلى غيره فعلت إن شاء اللّه . [ جواب ابن الجمل ] فأجابه ابن الجمل : بسم اللّه الرحمن الرحيم لقد أوتيت - مدّ اللّه في عمرك - لسانا ، وبيانا ، وقلما ، وخطّا ، فمن رام شأوك انقعص « 7 » ، ومن توهّم اللحاق بك نكص « 8 » ، فلله درّك من
--> ( 1 ) ج ق - واحدا كذكرك عنقا يزيد على عنق العنبر . العبق : انتشار رائحة الطيب . ( 2 ) ج ق - ويوصف . ( 3 ) الخالصة : العشرة والمودة الصافيتان . ( 4 ) استحصد الحبل : فتل فتلا محكما ، والمرائر مفردها مرير وهي العزيمة وما طال ولطف واشتد فتله من الحبال ، واستمر مريره : قوي بعد ضعف ، واستمرت مريرته على كذا : إذا استحكم أمره عليه وقويت شكيمته فيه . ( 5 ) استوسق : اجتمع ، واستوسق لك الأمر : أمكنك والسرائر : مفردها سريرة وهي السر . ( 6 ) ج ق - النأي . ( 7 ) ج ق - تقاعس . انقعص : مات مكانه . وانقعص الشيء : انثنى . ( 8 ) نكص : تراجع وأحجم .